فخر الدين الرازي

122

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وباطنه قبيحا ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو . الثالث : قال أبو مسلم : بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله : وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] وقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ * [ البقرة : 155 ] ثم قال المفسرون : السرائر التي تكون بين اللّه وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر رضي اللّه عنهما : يبدي اللّه يوم القيامة كل سر منها ، فيكون زينا في الوجوه وشينا في الوجوه ، يعني من أداها كان وجهه مشرقا ومن ضيعها كان وجهه أغبر . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم ، لأن قوة الإنسان إما أن تكون له لذاته أو مستفادة من غيره ، فالأول منفي بقوله تعالى : فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ والثاني منفي بقوله : وَلا ناصِرٍ والمعنى ما له من قوة يدفع بها عن نفسه ما حل من العذاب ولا ناصر ينصره في دفعه ولا شك أنه زجر وتحدير ، ومعنى دخول من في قوله : مِنْ قُوَّةٍ على وجه النفي لقليل ذلك وكثيره ، كأنه قيل : ما له من شيء من القوة ولا أحد من الأنصار . المسألة الرابعة : يمكن أن يتمسك بهذه الآية في نفي الشفاعة ، كقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * إلى قوله : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * [ البقرة : 48 ] ، الجواب : ما تقدم . [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 11 إلى 17 ] وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 ) اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد ، والمعاد أقسم قسما آخر ، أما قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ فنقول : قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء ويتكرر . واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسما موضوعا للمطر بل سمي رجعا على سبيل المجاز ، ولحسن هذا المجاز وجوه أحدها : قال القفال : كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به ، فكذا المطر لكونه عائدا مرة بعد أخرى سمي رجعا وثانيها : أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وثالثها : أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعا ليرجع ورابعها : أن المطر يرجع في كل عام ، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال : أحدها : قال ابن عباس : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر وثانيها : رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا ، أي